كيف تطوّرت مدينة العقبة الأردنية اقتصادياً وعمرانياً؟
30 Oct 202612:42 PM
كيف تطوّرت مدينة العقبة الأردنية اقتصادياً وعمرانياً؟
العميد الدكتور غازي محمود

شهدت مدينة العقبة الأردنية منذ إعلانها منطقة اقتصادية خاصة عام 2001، تحولات اقتصادية وعمرانية وسياحية واسعة، عززت دورها بوصفها بوابة المملكة البحرية ومركزًا متكاملًا للتجارة والصناعة والخدمات اللوجستية. وقد استند هذا التحول إلى الرؤية الملكية الرامية إلى استثمار موقع المدينة ومقوماتها الطبيعية، وإقامة بيئة جاذبة للاستثمارات، بالتوازي مع تطوير البنية التحتية والخدمات وتحسين نوعية الحياة. 
ومع مرور نحو ربع قرن على إطلاق هذه التجربة، أصبحت العقبة مدينة متعددة الوظائف، تجمع بين النشاط المرفئيوالصناعي والسياحي والخدميفضلًا عن النمو السكاني والتطور العمراني.
 
ومن مؤشرات نجاح خطة تطوير العقبة التي اعتمدتها سلطة منطقةالعقبة الاقتصادية الخاصة، النمو السكاني،إذ تجاوز عدد سكان قصبة العقبة 200 ألف نسمة، مقابل نحو 70 ألفًا عام 2000، فيما يُقدّر عدد سكان المحافظة بنحو 245 ألفًامقارنة بحوالي 95 ألفا عام 2000، بحسببيانات أعلنتها سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة في نهاية 2025. 
وعلى الصعيد العمراني، أطلقت سلطة المنطقةفي آب/أغسطس 2024،بالتعاون مع الوكالة اليابانية للتعاون الدولي «جايكا»، المخطط الشمولي المحدث للفترة 2024–2040. ويشمل المخطط تنظيم استخدامات الأراضي والتخطيط القطاعي، وتطبيقات المدن الذكية والوقاية من الكوارث، إلى جانب تحديد مشاريع رأسمالية تدعم التنمية المستدامة والنمو الأخضر. 
وشمل تطوير مقومات المدينة الخدمات الصحية المتخصصة؛ ففي 27 شباط/فبراير 2025، افتتح الملك عبدالله الثاني مبنى مركز الحسين للسرطان في العقبة، بكلفة تقدر بـ15 مليون دينار،ويمتد على مساحة تقارب 6740 مترًا مربعًا.وذلك بالإضافة إلى 5 مستشفيات و21 مركزا صحيًا منها 4 تُقدم خدمات شاملة،مما ويعزز الدور الاستشفائي للعقبة على مستوى الإقليم الجنوبي.
وعلى مستوى القطاع السياحي، ارتفع عدد الفنادق نهاية 2025إلى 101 فندق، تضم أكثر من 6500 غرفة، مقابل 43 فندقًا ونحو 2300 غرفة عند انطلاق خطة تطوير المدينة. وقد استقبلت العقبة قرابة مليوني زائر في 2024. الأمر الذي عزز ارتباط العقبة ومواقع التصوير العالمية الشهيرة في المنطقة بالبتراء ووادي رم الذي شكل في 2025رافعة سياحية ساهمت في تكامل البعد السياحي «للمثلث الذهبي»، الذي يجمع الشاطئ والتراث والصحراء.
وبالتوازي، تتجه العقبة إلى توسيع حضورها في السياحة الرياضية، من خلال مشروع مضمار سباق السيارات الدولي، المصمم لاستيفاء متطلبات سباقات «الفورمولا 3» وفئات أعلى، إلى جانب مشروع نادي العقبة للفروسية ومرافق ركوب الخيل. ومن شأن هذه المشاريع تنويع الفعاليات والمنتجات السياحية، واستقطاب شرائح جديدة من الزوار، ودعم الطلب على الإقامة والخدمات والأنشطة الترفيهية.
وفي هذا السياق، يمثل مشروع «مرسى زايد» أحد أبرز مسارات تطوير الواجهة البحرية. فقد دُشنت مرحلته الأولى في كانون الثاني/يناير 2025، ضمن مشروع يستهدف تطوير نحو 3.2 ملايين متر مربع لاستخدامات سياحية وترفيهية وسكنية. وتشمل مكونات المرحلة الأولى المعلنة أربعة أبراج سكنية، ومجمعًا سكنيًا، وفندقًا وشققًا فندقية، ومنطقة للسوق القديم، وتجديد منارة الميناء، فضلًا عن نادٍ ومرسى لليخوت ومحطة للسفن السياحية. 
 
واكتسب البعد البيئي أهمية إضافية خلال 2026، مع إدراج محمية العقبة البحرية على قائمة التراث العالمي لليونسكو، تقديرًا لقيمتها الطبيعية وتنوعها الحيوي البحري. ويتيح هذا الاعتراف تعزيز السياحة البيئية والبحث العلمي، لكنه يرتب في الوقت نفسه مسؤولية حماية النظم البحرية وتنظيم الأنشطة المرتبطة بها. فالموارد الطبيعية التي تمنح العقبة جاذبيتها السياحية تمثل أصلًا اقتصاديًا يتطلب الصون، ولا سيما مع اتساع الاستثمار على الواجهة البحرية.
أما قطاع الموانئ وخدماته اللوجستيةفأحد أبرز مؤشرات هذا النمو، خاصة وأن‏ عدد الموانئ ارتفع من 8 في 2001 إلى 12 ميناء متخصصًا، و30 رصيفا مجهزًا. وقد سجل ميناء حاويات العقبة خلال الأشهر التسعة الأولى من 2026 مناولة نحو 787 ألف حاوية نمطية، بزيادة بلغت 6.6% مقارنة بالفترة نفسها من 2025. وارتفعت حاويات الترانزيت بنسبة 151.8% إلى نحو 116 ألف حاوية، بما يعكس تنامي استخدام العقبة بوابةً للتجارة العابرة إلى الأسواق المجاورة، ولا سيما العراق. 
وقد تجاوزت المناولة في آب/أغسطس 2026 حاجز 104 آلاف حاوية نمطية عبر 58 سفينة، بعد تسجيل نحو 101.9 ألف حاوية في تموز/يوليو. كما تجاوزت حاويات الترانزيت خلال آب 20 ألف حاوية، اتجه أكثر من نصفها إلى العراق. ويمنح هذا النشاط قطاعات النقل والتخزين والتخليص والخدمات المساندة وظيفة إقليميةوفرصًا إضافية للنمو، ويعزز الترابط بين الموانئ والمناطق الصناعية والأسواق الإقليمية، إلى جانب دوره في خدمة الاقتصاد الأردني.
  
وبالتوازي، توسعت القاعدة الصناعية والتدريبية في المدينة،فوفق حصيلة السلطة لنهاية 2025، كان العمل جاريًا على تطوير ست مناطق صناعية في لواء القويرة، وأربع مناطق لوجستية وست ساحات لوجستية. أما الشركات المسجلة لدى السلطة فقد بلغ 1764 شركة، مقابل 700 عام 2014. مما وفر أكثر من عشرة آلاف فرصة عمل في القطاع الخاص منذ 2018.
وتتكامل هذه التحولات مع تطوير البنية التحتية للنقل؛ إذ أُعيد تأهيل مطار الملك حسين الدولي لاستقبال جميع أنواع الطائرات،وشملتالتحديثات مبنى المسافرين والواجهات والأنظمة التشغيلية ومناولة الأمتعة،بما يرفع قدرته الاستيعابية. وبالتوازي، قامت إدارة المطار بعقد اتفاقات لتسيير رحلات مباشرة إلى الإمارات والسعودية وغيرهما، ممايعزز الحركة السياحية والأعمال في المنطقة. 
كما شهدت شبكة الطرق السريعة التي تربط العقبة ببقية محافظات المملكة والمنافذ الحدودية والأسواق المجاورة،قفزة نوعية وتحديثات شاملة ومستمرة منذ عام 2001 بالتزامن مع إعلان العقبة منطقة اقتصادية خاصة، وتأسيس شركة تطوير العقبة عام2004م.تسهّل هذهالشبكة انتقال الأفراد والبضائع، بما يعزز تكامل النقل البري والبحري والجوي.
وقد دلَّإطلاق الدورة الخامسة عشرة من معرض ومؤتمر معدات العمليات الخاصة SOFEX في مركز العقبة الدولي للمعارض والمؤتمراتAIEC الذي افتتحه الملك عبدالله الثاني، يوم الثلاثاء 27 تشرين الأول/أكتوبر 2026،على الدور المتناميللمدينة وشمولهالأبعاد الاقتصادية والتقنية والسياحية. سيما وأن الحدث شهد مشاركة أكثر من 400 وفد رسمي يمثلون 75 دولة، و350 شركة عارضة من 38 دولة، ما يعزز حضور المدينة في استضافة الفعاليات الدولية المتخصصة.
وتكتسب هذه الاستضافة أهميتها الاقتصادية من الطلب الذي تولده على الفنادق والنقل والمطاعم والخدمات التنظيمية، فضلًا عن فرص التواصل بين المؤسسات والشركات والوفود المشاركة. كما تتيح تنويع النشاط السياحي، بحيث تتكامل سياحة الأعمال والمؤتمرات مع السياحة الشاطئية والبيئية والثقافية، وتدعم تشغيل المرافق على امتداد فترات أوسع من العام.
وهكذا، تعكس تجربة العقبة قدرة التخطيط والاستثمار على توسيع الوظيفة الاقتصادية للمدينة، وربط تطورها العمراني بدورها البحري والسياحي والخدمي. غير أن ترسيخ هذا التحول يتوقف على تحويل الاستثمارات إلى فرص عمل مستدامة وخدمات أفضل، وضمان توازن النمو مع حماية البيئة البحرية واحتياجات السكان. وبقدر ما تنجح العقبة في تحقيق هذا التوازن، تتعزز مكانتها بوصفها بوابة اقتصادية للأردن ومركزًا إقليميًا يجمع بين كفاءة الأعمال وجودة الحياة.